اَلسَّعْيُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّصْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُحْتَرَمُونَ!
قَرَأْتُ فِي مَطْلَعِ خُطْبَتِي هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ " وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" 1 وَحَدِيثُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "جَاهِدُوا بِأَيْدِيكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ وَأمْوَالِكُمْ" 2.أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَفَاضِل!
اَلْوَطَنُ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَعِيشُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ بِكُلِّ رَاحَةٍ وَأَمَانٍ وَيَفْتَخِرُ بِشَرَفِ عِيشِهِ بِحُرِّيَّةٍ عَلى تُرَابِهِ. وَهُوَ بَلَدُ كُلِّ شُجَاعٍ خَطَّ التَّارِيخَ وَبَلَدُ كُلِّ مَنْ كَرَّسَ نَفْسَهُ لِلْوَطَنِ وَكُلُّ مَنْ سَاهَمَ بِبِنَائِهِ مِنْ أَجْلِ الْمُسْتَقْبَلِ وَفْقَ ذَاتِ الْمَبَادِئِ. اَلْوَطَنُ هُوَ أَمَانُ مَنْ نَالَ شَرَفَ الشَّهَادَةِ وَمَنْ أَصْبَحَ مَعْلُولًا أَثْنَاءَ دِفَاعِهِ عَنْهُ فِي سَبِيلِ عِزَّةٍ وَمُسْتَقْبَلِ الْوَطَنِ.
قَامَ أَجْدَادُنَا بِحِمَايَة ِهَذِهِ الْأَرَاضِيَّ عَبْرَ قُرُونٍ مَضَتْ ضِدَّ الظُّلْمِ وَالطُّغَاةِ وَهُمْ مُتَسَلِّحِينَ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَحُبِّ الْوَطَنِ. وَكَانَتْ غَايَةُ هَذَا الشَّعْبِ الْعَظِيمِ هِيَ عَدَمُ السَّمَاحِ بِتَدْنِيسِ هَذِهِ الْأَرَاضِيِّ وَ عَدَمُ تَدْنِيسِ الْأَرَاضِيِّ. وَقَدْ شَهِدْنَ عَلَى ذَلِكَ عَبْرَ التَّارِيخِ حُرُوبُ مَلَازْغِرْت وَأُوتْلوبَكِي وَشَالْدِرَان وَمَرْجِ دَابِق وَمُوحَاج وَسَقَارْيَا وَالْهُجُومُ الْأَكْبَرُ الَّتِي جَرَتْ فِي شَهْرِ آب/ أغُسْطُس. وَقَدْ دَلَّ هَذَا النَّصْرُ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالنَّصْرُ مِنَ اللهِ تَعَالَى. فَلَا يُمْكِنُ أَسْرَ الْأَفْئِدَةِ الَّتِي تَخْفُقُ لِنَيْلِ رِضَاهُ تَعَالَى وَجَعْلِ الْخَيْرِ حَاكِمًا فِي جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ. فَكُلُّ كَمْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسَهُ أَنْ يُزَعْزِعَ وَحْدَتَنَا وَيُثِيرَ الْبَلْبَلَةَ فِي شَعْبِنَا مَصِيرُهُ الرَّذِيلَةُ وَاْلمَذَلَّةُ. فَلَنْ يَنْزِلَ هَذَا الْعَلَمُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَنْ يَصْمُتِ الْأَذَانُ قَبْلَ أَنْ تَنْطَفِئَ آَخِرَ شَرَارَةٍ فِي بَلَدِنَا.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمُحْتَرَمُونَ!
وَفِي يَوْمِنَا الْحَالِي الَّتِي تَتَعَرَّضُ فِيهِ بِلَادَنَا لِلضَّغْطِ وَالْحِصَارِ عَلَى الْجُغْرَافِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ يَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا التَّحَلِّي بِوَعْيِ النَّصْرِ. وَعْيُ النَّصْرُ هُوَ الصَّبْرُ وَالثَّبَاتُ أَمَامَ الصِّعَابِ. وَهُوَ عَدَمُ اكْتِرَاثِ هَذِهِ الْمِلَّةِ الْعَزِيزَةِ الَّتِي تُشْبِهُ شَجَرَة الدُّلْبِ ذَاتِ الْجُذُورِ الْعَمِيقَةِ بِالْحَوَادِثِ الَّتِي تُهَرِّشُ فِيهَا مِنَ الدَّاخِلِ وَعَدَمُ الْاِكْتِرَاثِ بِالنِّقَاشَاتِ وَالطُّمُوحِ. وَهُوَ الْوَعْيُ التَّامُّ تِجَاهَ كُلِّ مَنْ كَمْ سَوَّلَتْ نَفْسَهُ أَيْ يَسْعَى لِيُزَعْزِعَ الْأُخُوَّةَ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَنَا.
أَيُّهَا الشَّعْبُ الْعَزِيزُ، كَمَا قُمْنَا سَابِقًا بِجَعْلِ أَكْبَرِ الْقُوَى أَنْ تَرْكَعَ أَمَامَنَا عَلَى الرَّغْمِ مِنَ الشُّرُوطِ الصَّعْبَةِ وَلَنْ تَسْمَحَ لِمَنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسَهُ الْعَبَثَ بِهَا بِفَضْلِ الْبَصِيرَةِ وَالْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَكَمَا هُوَ الْحَالُ الْبَارِحَةُ قَامَ هَذَا الشَّعْبُ بِمُوَاجَهَةِ الْاِنْقِلَابِ الْغَاشِمِ بِتَارِيخِ 15 تَمُّوز/ يُولْيُو وَسَيُقَاوِمُ فِي يَوْمِنَا الْحَالِي بِمُوَاجَهَةِ جَمِيعِ الْهَجَمَاتِ الْاِقْتِصَادِيَّةِ وَالْإِلَكْتُرُونِيَّةِ الَّتِي يُتَعَرَّضُ لَهَا. وَفِي نِهَايَةِ الْأَمْرِ عَلَى الرَّغْمِ مِنِ اخْتِلَافِ الْحَرْبِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَتَغَيُّرِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَالشُّرُوطِ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ تَتَغَيَّرْ وَهِيَ الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ "اللّٰهُ غَالِبٌ عَلٰٓى اَمْرِه۪" 3.
إِخْوَانِيَ الْأَعِزَّاء!
يَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا مُرَاعَاةُ الْإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى وَتَوَكَّلْنَا عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ بَقَاءِ شَعْبِنَا الْعَزِيزِ حَيْثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ
دَعُونَا نَحْمِي أَمْلَاكَنَا الْمَادِّيَّةِ وَقِيَمَنَا الْمَعْنَوِيَّةَ وَمُنْتَجَاتِنَا الَّتِي صَنَعْنَاهَا بِأَيْدِينَا وَأَطْفَالَنَا وَغَدَنَا. وَالْاِبْتِعَادُ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالسَّعْيُ لِلصَّرْفِ بِالْمَعْقُولِ وَمُرَاعَاةِ الْاِعْتِدَالِ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ سَابِقًا.
إِخْوَانِي!
فَلْيَشْهَدِ التَّارِيخُ لَنْ يَتْرُكَ اللهُ تَعَالَى شَعْبَنَا الْعَزِيزَ الَّذِي تُبْنَى مِمَّةُ الدِّفَاعِ عَنْ وَطَنِهِ. فَكُلُّ مَنَ سَنَدَ الْمَظْلُومَ وَالْمَغْدُورَ وَالْمُهَاجِرَ سَتَكُونُ رَحْمَةُ وَعِنَايَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ بِجَانِبِهِ.
يَا اللهُ، يَا مَنْ جَعَلْتَ هَذِهِ الْأَرَاضِيَّ دِيَارًا لِلْمُسْلِمِينَ مُنْذُ قُرُونٍ وَشَرَّفْتَ أَهْلَهَا بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِالْإِصَابَةِ أَثْنَاءَ الدِّفَاعِ عَنْهَا وَجَعَلْتَ أَهْلَهَا أَهْلَ الشُّهَدَاءِ!
اِجْعَلْنَا مِمَّنِ الظَّافِرِينَ وَالْمُتَرَابِطِينَ مِنَ النَّاحِيَةِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَمِمَّنْ يَتَخَطُّونَ الصِّعَابَ وَيَتَرَابِطُونَ بِرَابِطَةِ الْأُخُوَّةِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ إِلَى الْأَبَدِ! آمين.
1 الأنفال، 8/46
2 النسائي، الجهاد، 18
3 يوسف، 12/21
4 آل عمران، 3/19
المديرية العامة للخدمات الدينية
